اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

227

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ولنشر آرائهم بين الناس قامت الجماعة بوضع إحدى وخمسين رسالة دون الإشارة إلى أسماء المؤلفين ؛ وقد حاولوا في هذه الرسائل التقريب بين المنقول والمعقول ووضع فلسفة دينية جديدة 70 : هذا وقد ظهرت هذه الموسوعة الفريدة في نوعها في بداية النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) 71 ، على أية حال ليس بعد عام 373 ه - 983 إذ كان على معرفة جيدة بها الفيلسوف الأديب أبو حيان التوحيدي الذي يقدم لنا وصفا دقيقا لهذه الجماعة 72 ولكنه كما هو العهد به دائما لا يخلو من السخرية في وصفه . هذا وقد أحاطت رسائلهم بجميع العلوم التي كانت سائدة في ذلك العصر ، من علوم تربوية ودينية وفلسفية ، مع جنوح واضح إلى المذهب اليوناني 73 . واختيار المادة عندهم يتخذ طابعا انتقائيا ملحوظا ، فالأساس عندهم هو التقافة اليونانية والعلم اليوناني ولكن يبصر لديهم بوضوح أيضا نفوذ الثنائية الغنوصية ( Gnostic Dualism ) والنظريات الإيرانية في العناية الإلهية 74 . وفي صلتهم بالعلم اليوناني بل وحتى فيما يتعلق بنظرتهم الفلسفية العامة إلى الوجود فإن أرسطو كان يأتي عندهم في المرتبة الثانية عند مقارنته بهرمس Hermes وسقراط وأفلاطون وفيثاغورس 75 الذي تنال نظريته في الأعداد أهمية خاصا بينهم ، ومعرفتهم العامة بالفلسفة اليونانية تغلب عليها السطحية عند المقارنة بالكندى والفارابي 76 . وفي بعض المخطوطات تضاف إلى الرسالة الحادية والعشرين عن الحيوان حكاية رمزية غريبة « في شكوى الحيوانات من الإنسان أمام ملك الجن 77 » ، وهي بمثابة تلخيص لجميع الأفكار الأساسية للرسائل بما في ذلك الأفكار الجغرافية ؛ بل وتمتاز بأهمية أدبية فريدة ويمكن أن يبصر في أسلوبها في الكلام على على ألسنة الحيوان تأثير كتاب « كليلة ودمنة » الذي أخذت هذه الجماعة اسمها منه . وعلاقة العلوم المختلفة التي تعالجها هذه الموسوعة ببعضها البعض تبدو في عدد الرسائل المفردة لكل منها ، فالرياضة والمنطق أفرد لهما أربع عشرة رسالة ، والعلوم الطبيعية سبع عشرة رسالة ، بينما ظفرت الميتافيزيقيا وعلم النفس بعشرة رسائل ، والتصوف والتنجيم والسحر بإحدى عشرة رسالة 78 . والفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا المصنف الجماعي يمكن تلخيصها في أن كل ما يحدث في العالم السفلى إنما هو انعكاس للعالم العلوي فحسب ، وأن كل ما يحدث على الأرض إنما يخضع لحركات النجوم 79 . - - وعلى ذلك فليس من العسير أن نتكهن بنوع الجغرافيا التي يمكن أن نجدها لديهم ؛ وقد أفردت لها رسالة خاصة هي « الرسالة الخامسة في العلوم التعليمية في الجغرافيا أي صورة الأرض والأقاليم » 80 ، وموضعها في القسم الأول بين الفلك والموسيقى وذلك في المجموعة العامة التي تشمل العلوم الرياضية والطبيعية ، الأمر الذي يفهم منه أننا إزاء عرض موجز للجغرافيا الفلكية الرياضية وفقا للمذهب اليوناني ، أي للنظريات البطلميوسية . وفي بداية الرسالة توكّد النظرية القائلة بأن الأرض مركز الوجود 81 ، ويتلو هذا وصف الربع المعمور 82 والأقاليم السبعة 83 كل على حدة . ويستغرق هذا الجزء الأكبر من موضوع الرسالة 84 ، ثم يختتم كل ذلك كما هي العادة بعدد من الاستنباطات ذات طابع تعليمي ( Didactic ) القصد منها توضيح المغزى الباطني للظواهر المحسوسة ؛ وإحدى قطع هذا القسم وهي المتعلقة بالشرق الأقصى والتي قام